الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
238
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
من ساير أعضاء الحيوانات ، هذا مضافا إلى أنه تظهر من بعض هيئات هذه الأعضاء في بعض التراكيب مثل الركوع والسجود ، والقنوت والتشهد ، والرفع والوضع لليدين والرأس هيئات العبودية ، التي تحكي عن معاني باطنية تناسب حال العبد في مقام عبوديته لخالقه بإظهار تلك الهيئات الدالة على أنحاء عبوديته ظاهرا وباطنا بما يناسب مقام عظمته تعالى ، كما ذكر ذلك كله في أسرار الصلاة ، فراجعها في كتبها المعدّة لبيانها ، فيظهر للمتأمل فيها أن الإنسان يحتاج في مقام العبودية إلى تلك الأعضاء بما لها من الهيئات ، والصورة الحاصلة من هيئاتها المختلفة ، ويرى أنه بها يكون توجهة إليه تعالى ، وهي تكون وجيهة له تعالى ، وبها قيامه لديه تعالى وبها قيّوميته به تعالى . وبعبارة أخرى : هذه الأسرار إنما هي ظاهرة لأدنى المعرفة والدقة بأسرار الخلقة ، التي أهمها وأعظمها الخلقة الإنسانية ، التي منها انتصاب وجهه بحيث يقابل بأجمعه إلى من يقابله كذلك ، وهذا حسن في نفسه يظهر فيما إذا لم يقابل أحد بتمام وجهه إلى من يدانيه ، فإنك تراه قبيحا كما لا يخفى . وكيف كان فالإنسان منتصب الوجه إلى من يقابله ، وهذا بخلاف الحيوانات ، فإنه إنما يقابل ببعضه ، أو ببعض بعد بعض بحيث لا يكون في مواجهة بعضهم لبعض الحسن الذي يكون في مواجهة الإنسان ، ويلحق بهذه التكرمة أنه تعالى جعل الإنسان بحيث يرفع بيده طعامه لئلا يطأطئ رأسه للطعام ، ذلك إجلاله له لما ألبسه اللَّه تعالى من صورته كما تقدم حديثه ، هذا كلَّه بالنسبة إلى نوع الإنسان . وأما حسن الصورة الذي تكون لمحمد وآله الطاهرين ، فلهم صور حسنة لا يكون في الممكنات شيء يدانيهم ، بحيث لو ظهروا للناس ببعضها لما رآهم أحد إلا مات على الفور شوقا إليهم . ففي مدينة المعاجز ( 1 ) ، عن البرسي روي جعفر الهاشمي ، قال : كنت عند أبي
--> ( 1 ) مدينة المعاجز ص 535 . .